ابن عجيبة

361

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يقول الحق جل جلاله : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ أي : ما يلهى به عما يقرب إلى اللّه ؛ كالأحاديث التي لا أصل لها ، والخرافات التي لا حقيقة لها ، والمضاحك ، وفضول الكلام . قيل : نزلت في النّضر بن الحارث ، كان يخرج إلى فارس للتجارة ، فيشترى أخبار الأعاجم ، ثم يحدث قريشا بها ، ويقول : إن محمدا يحدثكم بأخبار عاد وثمود ، وأنا أحدثكم بحديث رستم ، وأخبار الأكاسرة ، فيستملحون حديثه ولا يسمعون القرآن « 1 » . وقيل : كان يشترى القيان ، ويحملهن على معاشرة من أراد الإسلام ؛ ليصده عنه . والاشتراء من الشراء ، كما تقدم عن النضر ، ومن البدل ، كقوله : اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ « 2 » . استبدلوه واختاروه ، أي : يختار حديث الباطل على حديث الحق . وإضافة اللهو إلى الحديث ؛ للتبيين بمعنى « من » ؛ لأن اللهو يكون من الحديث ومن غيره ، فيبين بالحديث ، والمراد بالحديث : الحديث المكروه ، كما جاء في الحديث : « الحديث في المسجد يأكل الحسنات ، كما تأكل البهيمة الحشيش » « 3 » ، أو : للتبعيض ، كأنه قيل : ومن الناس من يشترى بعض الحديث الذي فيه اللهو . وقال مجاهد : يعنى : شراء المغنيات والمغنين ، أي : يشترى ذات لهو ، أو : ذا لهو الحديث . وقال أبو أمامة : قال عليه الصلاة والسلام : « لا يحل تعليم المغنيات ، ولا بيعهن ، وأثمانهنّ حرام » . وفي مثل هذا نزلت هذه الآية ، ثم قال : « وما من رجل يرفع صوته بالغناء إلا بعث اللّه عليه شيطانين : أحدهما على هذا المنكب ، والآخر على هذا المنكب ، فلا يزالان يضربان بأرجلهما حتى يسكت » « 4 » . قلت : هذا مقيد بشعر الهوى لأهل الهوى ، وأما أهل الحق الذين يسمعون من الحق ، فلا يتوجه الحديث لهم ، وسيأتي في الإشارة تحقيقه إن شاء اللّه . ثم قال أبو أمامة رضي اللّه عنه عنه صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه تعالى بعثني هدى ورحمة للعالمين ، وأمرني ربى بمحو المعازف والمزامير والأوثان ، والصلب وأمر الجاهلية ، وحلف ربى بعزته لا يشرب عبد من عبيدي جرعة خمر متعمدا إلا سقيته مثلها من الصديد يوم القيامة ، مغفورا له أو معذبا ، ولا سقاها غيره إلا فعلت به مثل ذلك ، ولا يتركها عبد من مخافتي إلا سقيته من حياض القدس يوم القيامة » . انظر الثعلبي . ثم قال تعالى : لِيُضِلَّ « 5 » عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي : فعل ذلك ليضل هو عن طريق اللّه ودينه ، أو ليضل غيره عنه ، أو عن القرآن ، بِغَيْرِ عِلْمٍ أي : جهلا منه بما عليه من الوزر . وَيَتَّخِذَها أي : السبيل هُزُواً وسخرية . فمن رفع : استأنف ، ومن نصب ، عطفها على ( ليضل ) « 6 » ، أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ يمينهم ويخزيهم ، و « من » ، لإبهامه ، يقع على الواحد والجمع ، والمراد : النضر ومن تبعه .

--> ( 1 ) ذكره الواحدي في أسباب النزول ( 2 356 ) ، والبغوي في التفسير ( 6 / 283 ) عن الكلبي ومقاتل . ( 2 ) من الآية 177 من سورة آل عمران . ( 3 ) قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار ( 1 / 18 ) : لم أقف له على أصل . ( 4 ) أخرجه الإمام أحمد في المسند ( 5 / 252 ) ، والطبري في التفسير ( 21 / 60 ) ، والطبراني في الكبير ( 8 / 212 ، 251 ) ، والبيهقي في السنن ( 6 / 15 ) ، والبغوي في التفسير ( 6 / 284 ) ، والواحدي في أسباب النزول ( ص 357 ) وذكره ابن الجوزي في العلل المتناهية ( 2 / 198 ) وأخرجه مختصرا الترمذي وضعفه في ( التفسير - سورة لقمان 5 / 322 ، ح 3195 ) . ( 5 ) قرأ ابن كثير وأبو عمرو ( ليضل ) بفتح الياء . والباقون بالضم . انظر الإتحاف ( 2 / 361 ) . ( 6 ) قرأ حفص وحمزة والكسائي : « ويتخذها » ؛ بالنّصب . وقرأ الباقون : « ويتخذها » ؛ بالرفع . انظر الإتحاف ( 2 / 362 ) .